جلال الدين السيوطي

487

الإتقان في علوم القرآن

وفي اسم ليس ، في قراءة بعضهم : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [ البقرة : 177 ] ، بنصب الْبِرَّ « 1 » . وفي الخبر المنفيّ ، نحو : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ [ البقرة : 74 ] ، قيل : والموجب ، وخرّج عليه : جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [ يونس : 27 ] . وفي التوكيد ، وجعل منه : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [ البقرة : 228 ] . فائدة : اختلف في الباء ، من قوله : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] ، فقيل : للإلصاق . وقيل : للتبعيض . وقيل : زائدة . وقيل : للاستعانة . وإنّ في الكلام حذفا وقلبا ؛ فإنّ ( مسح ) يتعدّى إلى المزال عنه بنفسه ، وإلى المزيل بالباء ، فالأصل : امسحوا رءوسكم بالماء . بل « 2 » : حرف إضراب إذا تلاها جملة . ثم تارة يكون معنى الإضراب الإبطال لما قبلها : نحو : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) [ الأنبياء : 26 ] . أي : بل هم عباد . أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ [ المؤمنون : 70 ] . وتارة يكون معناه الانتقال من غرض إلى آخر : نحو : وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [ المؤمنون : 62 . 63 ] ، فما قبل بَلْ فيه على حاله ، وكذا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) [ الأعلى : 15 . 16 ] . وذكر ابن مالك في شرح كافيته : أنّها لا تقع في القرآن إلّا على هذا الوجه ، ووهمه ابن هشام ، وسبق ابن مالك إلى ذلك صاحب « البسيط » ، ووافقه ابن الحاجب ، فقال في شرح المفصل : إبطال الأوّل وإثباته للثاني إن كان في الإثبات من باب الغلط ، فلا يقع مثله في القرآن . انتهى . أمّا إذا تلاها مفرد فهي حرف عطف ، ولم تقع في القرآن كذلك .

--> ( 1 ) أي : على ما في مصحف أبيّ وعبد اللّه : ( بأن تولوا ) بزيادة الباء ، انظر البحر المحيط 2 / 2 ، وتفسير ابن عطية 1 / 492 ، والدر المصون 2 / 245 وأما ما سطره محقق الطبعة المنوه عنها في مقدمة التحقيق من هامش ، فلا فائدة فيه ، ويحتاج الأمر منه إلى عودة إلى المراجع ليتأكد . ( 2 ) انظر الصاحبي ص 149 ، والبرهان 4 / 258 - 260 ، والمفردات ص 58 - 59 .